الملخص التنفيذي

يُعد هذا التقرير دليلاً مفصلاً للشركات التي تسعى للتأهل للحصول على المزايا الضريبية للبحث والتطوير (R&D) والابتكار في تونس وإثبات أحقيتها بها. يمثل النظام التونسي، على عكس النموذج الوصفي والموجه تقنيًا في سنغافورة، جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية وطنية أوسع تهدف إلى جذب الاستثمار المباشر، وتعزيز الصادرات، ودعم التنمية الاقتصادية. يتمحور الإطار القانوني لهذه الحوافز حول قانون الاستثمار (القانون رقم 2017-8) والمراسيم التطبيقية له، مع إدخال قوانين المالية السنوية تحديثات منتظمة.

تتمثل الحوافز الضريبية الرئيسية للبحث والتطوير والابتكار في تونس في الخصومات الضريبية المعززة. وتشمل هذه خصمًا معززًا بنسبة 150% لمصاريف البحث والتطوير المتكبدة بموجب اتفاقية مع مؤسسة بحثية عامة، بالإضافة إلى خصم إضافي بنسبة 50% لـ “مصاريف الابتكار”، وهو بند أحدث لا يتطلب شراكة عامة. تخضع هذه الخصومات لحدود قصوى سنوية، تم تحديثها مؤخرًا لقطاعات محددة، مما يسلط الضوء على الطبيعة الديناميكية للسياسة المالية التونسية.

الفرق الحاسم عن الولايات القضائية الأخرى هو أن عملية الامتثال التونسية إدارية وإجرائية بالدرجة الأولى وليست تقنية. لا تتعلق العملية بإثبات دراسة منهجية وتجريبية بعد وقوعها، بل تتعلق بالتصريح الرسمي بمشروع استثماري وتأمين الموافقات الحكومية منذ البداية. كما أن ندرة الأحكام القضائية الضريبية العامة بشأن مسائل البحث والتطوير تزيد من دور التفسير والتقدير الإداري، مما يخلق تعقيدًا وعدم يقين للمستثمرين.

للمطالبة بهذه المزايا بنجاح، يجب على الشركات اتباع عملية منظمة تتضمن تقديم تصريح استثماري، وتأمين شهادات رسمية، والاحتفاظ بسجلات مالية مفصلة وفقًا للنظام المحاسبي التونسي. يؤكد هذا النهج أن المطالبة الناجحة في تونس متجذرة في عملية إدارية وسياسية مُدارة بشكل جيد وتتوافق مع الأولويات الاقتصادية الوطنية الأوسع.

مقدمة حول سياسة البحث والتطوير والابتكار في تونس

ركزت السياسة الاقتصادية التونسية على مدى العقدين الماضيين بشكل متزايد على تطوير اقتصاد قائم على المعرفة وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI). عبرت الحكومة عن طموح واضح لتصبح “قوة رقمية في شمال إفريقيا”، وهي استراتيجية مدعومة باستثمارات مستهدفة في الشركات الناشئة المبتكرة والشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs). هذه الرؤية ليست مجرد طموح، بل تدعمها إطار قانوني ومالي مصمم لتحفيز القطاعات والأنشطة الرئيسية. لا تُعد الحوافز الضريبية للبحث والتطوير والابتكار سياسات معزولة، بل هي أدوات أساسية ضمن هذه الاستراتيجية الاقتصادية الأكبر.

ينبع الإطار القانوني لهذه الحوافز من قانون الاستثمار (القانون رقم 2017-8)، الذي أصلح نظام المزايا الضريبية في عام 2017، والمرسوم 2017-389، الذي يفصل الحوافز المالية المقابلة. يتم تنقيح هذا الإطار باستمرار بموجب قوانين المالية السنوية، ومن الأمثلة البارزة قانون 2023 الذي قدم خصومات جديدة لمصاريف الابتكار.

يلعب المشهد المؤسسي في تونس دورًا مركزيًا في إدارة هذه الحوافز. تُعد وزارة المالية هي الهيئة الرئيسية المسؤولة عن صياغة وتنفيذ السياسة المالية والجبائية والنقدية للدولة. كما أن الإدارة العامة للضرائب، وهي ذراع رئيسي لوزارة المالية، مسؤولة عن الإدارة الضريبية. بالإضافة إلى ذلك، تعمل وكالة النهوض بالصناعة والابتكار (APII) كنقطة دخول حاسمة للمستثمرين، حيث تعمل كشباك موحد لتسجيل الأعمال والتصاريح الاستثمارية. يعني الدور المركزي لهذه الهيئات الحكومية أن قدرة الشركة على التنقل في البيروقراطية وتأمين الموافقات الرسمية غالبًا ما تكون أكثر تحديدًا للنجاح من الجدارة التقنية لمشاريعها وحدها. وقد أشار البنك الدولي إلى أن هذا النظام يمكن أن يكون “معقدًا للغاية” و “غير شفاف”، مما يؤدي إلى درجة من عدم اليقين للمستثمرين.

الإطار التونسي لحوافز الضرائب على البحث والتطوير: نظرة عامة شاملة

يختلف النهج التونسي لحوافز البحث والتطوير والابتكار اختلافًا جوهريًا عن النموذج الوصفي المتبع في ولايات قضائية مثل سنغافورة. بينما تعتمد سنغافورة على اختبار تقني ثلاثي الأركان—الهدف، والحداثة، والدراسة المنهجية والاستقصائية والتجريبية (SIE)—فإن الإطار القانوني التونسي لا يوفر تعريفًا تقنيًا قابلاً للمقارنة ومتاحًا للجمهور لتأهيل البحث والتطوير. بدلاً من ذلك، يعمل النظام على تعريف أكثر عمومية للبحث والتطوير باعتباره “تحقيقًا أصليًا ومنظمًا”، ويعرّف “مصاريف الابتكار” بأنها تلك التي “تستخدم منتجًا جديدًا، أو طريقة إنتاج جديدة، أو تعديلًا في العمليات التنظيمية”. ينصب التركيز على النتيجة المعلنة للنشاط—منتج جديد أو عملية أو طريقة—بدلاً من العملية التجريبية الصارمة والموثقة التي هي جوهر النموذج السنغافوري. هذا تمييز حاسم يؤثر على جميع متطلبات الامتثال والتوثيق اللاحقة.

تتمثل الحوافز الضريبية الرئيسية المتاحة للشركات في الخصومات الضريبية المعززة. أحد أهم هذه الحوافز هو الخصم المعزز بنسبة 150% لمصاريف البحث والتطوير. يسمح هذا الإجراء بخصم إضافي بنسبة 50% فوق الخصم القياسي البالغ 100% للمصاريف، ولكنه يأتي بشرط حاسم: يجب أن يتم إجراء البحث والتطوير بموجب اتفاقية رسمية مع مؤسسة بحث علمي عامة أو مؤسسة تعليم عالٍ. علاوة على ذلك، يجب أن تساهم الشركة بما لا يقل عن 10% من إجمالي المصاريف التي تغطيها الاتفاقية.

وفي خطوة لتوسيع نطاق الدعم، قدم قانون المالية لعام 2023 خصمًا إضافيًا منفصلاً بنسبة 50% لـ “مصاريف الابتكار”. يُعد هذا البند مهمًا لأنه لا يشترط شراكة مع مؤسسة عامة، مما يوفر حافزًا أكثر سهولة للشركات العاملة في الابتكار الداخلي.

يكشف الفحص الدقيق للمواد البحثية المقدمة عن فارق مهم بخصوص الحدود القصوى السنوية لهذه الخصومات. بينما تشير بعض المصادر إلى سقف قدره 400,000 دينار تونسي (TND)، تشير مصادر أخرى إلى سقف أقل قدره 200,000 دينار تونسي. يتم حل هذا التناقض الظاهري من خلال تحليل أعمق للتحديثات الأخيرة. فقد رفع بند محدد في قانون المالية مؤخرًا سقف الخصم من 200,000 دينار تونسي إلى 400,000 دينار تونسي، ولكن فقط للمشاريع المتعلقة بـ “الاقتصاد الأخضر والأزرق والدائري” والتنمية المستدامة. وهذا يسلط الضوء على أن السياسات المالية التونسية ليست ثابتة، بل تتطور ويمكن أن تكون خاصة بقطاعات معينة بدرجة عالية، وهي نقطة اختلاف عن الحوافز الأكثر اتساقًا في نظام الابتكار للمؤسسات (EIS) في سنغافورة. يشير وجود هذه الحدود القصوى إلى نظام مصمم لتوفير مستوى أساسي من الدعم لمجموعة واسعة من الأعمال بدلاً من عدد قليل من المشاريع المختارة ذات الاستثمار العالي.

لتوضيح الحوافز الرئيسية، يلخص الجدول التالي خطط الخصم الضريبي الأساسية وشروطها.

جدول 1: الخصومات والحدود القصوى الرئيسية للضرائب على البحث والتطوير (تونس)

نوع الحافز الضريبي نسبة الخصم الشروط الأساسية الحد الأقصى السنوي
الخصم المعزز للبحث والتطوير 150% (50% إضافية) اتفاقية مع مؤسسة بحثية عامة أو مؤسسة تعليم عالٍ؛ مساهمة الشركة لا تقل عن 10% من إجمالي المصاريف. 200,000 دينار تونسي سنويًا؛ رُفع إلى 400,000 دينار تونسي لمشاريع الاقتصاد الأخضر/المستدام.
خصم مصاريف الابتكار 50% (خصم إضافي) لا تتطلب تعاونًا عامًا. ينطبق على المنتجات الجديدة، أو طرق الإنتاج، أو العمليات التنظيمية. 400,000 دينار تونسي سنويًا.

دعم البحث والتطوير والابتكار بما يتجاوز الحوافز الضريبية

يتطلب الفهم الشامل لحوافز البحث والتطوير التونسية النظر إلى ما هو أبعد من الخصومات الضريبية إلى إطار أوسع من المنح الحكومية والإعانات. لا يُعد النظام التونسي نظامًا ضريبيًا مستقلاً للبحث والتطوير، بل هو نظام متكامل ضمن إطار “قانون الاستثمار” الأكبر المصمم لتعزيز الأهداف الاقتصادية الوطنية المتنوعة، بما في ذلك التنمية الإقليمية، وتعزيز الصادرات، وخلق فرص العمل. يتناقض هذا النهج الشامل بشكل حاد مع سنغافورة، حيث تُعد الحوافز الضريبية هي الأداة الأساسية والمركزة لتعزيز الابتكار.

بالإضافة إلى الخصومات الضريبية، قد تكون الشركات العاملة في مجال البحث والتطوير مؤهلة للحصول على منحة أداء اقتصادي مباشرة تصل إلى 50% من مصاريف البحث والتطوير المعتمدة، بحد أقصى 300,000 دينار تونسي. هذه آلية مساعدة مالية مباشرة، وليست إعفاءً ضريبيًا، وتعمل كعنصر تكميلي قوي للحوافز المالية.

علاوة على ذلك، يمكن للشركة التي تجري أنشطة البحث والتطوير أن تستفيد غالبًا من حوافز استثمارية أخرى وأكثر عمومية اعتمادًا على نموذج عملها وموقعها. وتشمل هذه:

  • **منح التنمية الإقليمية:** الشركات التي تستثمر في مناطق التنمية الإقليمية المحددة مؤهلة للحصول على مجموعة واسعة من الحوافز، بما في ذلك الخصومات الضريبية ومنح الاستثمار.
  • **حوافز موجهة للتصدير:** يمكن للشركات المصدّرة بالكامل الاستفادة من الإعفاءات الضريبية على الأرباح والدخل لأول عشر سنوات من نشاطها، بالإضافة إلى الوصول إلى المدخلات والمعدات المعفاة من الرسوم الجمركية.
  • **الإعفاءات والتعليقات:** هناك تعليق لضريبة القيمة المضافة (VAT) والرسوم الجمركية على المعدات المستوردة أو المشتراة محليًا واللازمة للاستثمار.

تُظهر هذه الحوافز المتداخلة أن نجاح الشركة في المطالبة بالدعم الحكومي غالبًا ما يرتبط بتوافقها مع شبكة معقدة من الأولويات الاقتصادية الوطنية. قد لا يتم تقييم مطالبة الشركة بالبحث والتطوير على أساس جدارتها العلمية فقط، بل على قدرتها على المساهمة في الإنتاج ذي القيمة المضافة، وخلق فرص العمل، والقدرة التصديرية. وهذا يسلط الضوء على نظام تستخدم فيه الحكومة مزيجًا من الأدوات المالية لتوجيه وتشكيل النشاط التجاري نحو نتائج استراتيجية محددة.

جدول 2: القطاعات والأنشطة المؤهلة مقابل المستبعدة (تونس)

القطاعات المؤهلة (أمثلة) القطاعات المستبعدة صراحةً الأساس المنطقي للتمييز
الزراعة ومصائد الأسماك التعدين تخضع الموارد الطبيعية عادة لتشريعات منفصلة.
الصناعات التحويلية والحرفية الطاقة قطاعات استراتيجية ذات أطر تنظيمية متميزة.
الشركات الموجهة للتصدير التجارة المحلية تُركز الحوافز على تعزيز الصادرات والقدرة التنافسية الدولية.
أنشطة الدعم وإزالة التلوث الخدمات المالية والمصرفية غالبًا ما تخضع هذه القطاعات للوائح خاصة بها ولا تستفيد من قانون الاستثمار العام.
مناطق التنمية الإقليمية أنشطة مدرجة معينة (مثل الضيافة والنقل وما إلى ذلك) تستهدف الحوافز صناعات ومشاريع محددة وموافق عليها تتوافق مع الأولويات الوطنية.

الإثبات والامتثال: نظرة أعمق

في تونس، تختلف عملية إثبات مطالبة البحث والتطوير اختلافًا كبيرًا عن النهج التقني الخاص بالمشروع الموجود في سنغافورة. يعمل النظام التونسي على مبدأ الإقرار التلقائي، مما يعني أن دافعي الضرائب يُفترض فيهم الصدق، ولكن عبء الإثبات يقع بشكل ثابت على عاتق الشركة لدعم مطالباتها إذا خضعت للمراجعة. الأهم من ذلك، لا يوجد إطار موثق ومتاح للجمهور يعادل إطار ضمان البحث والتطوير في سنغافورة، والذي من شأنه أن يوفر مخططًا مفصلاً للضوابط الداخلية والتوثيق. وهذا يضع تركيزًا أكبر على التنقل في الإجراءات الإدارية الرسمية.

تتمحور عملية الامتثال حول الإجراءات وليست تقنية. فبدلاً من ملف مفصل ومعاصر لدفاتر الملاحظات المخبرية أو المذكرات التقنية أو تحليلات الفشل، فإن متطلبات التوثيق الأساسية هي وثائق رسمية صادرة عن الحكومة. وتشمل هذه:

  • **تصريح استثماري،** يجب تقديمه إلى السلطات المختصة في بداية المشروع. يعمل هذا كتسجيل قانوني أساسي للمشروع، حيث يحدد غرضه ونطاقه.
  • **شهادة صادرة عن السلطات المختصة** تفيد بـ “البدء الفعلي للنشاط”.
  • **شرط الاحتفاظ بالحسابات** بما يتفق تمامًا مع النظام المحاسبي التونسي.
  • **للخصم الإضافي لمصاريف الابتكار،** يجب أن يرفق بالإقرار الضريبي السنوي “قائمة مفصلة” للمصاريف و “إشارات القرارات التي مُنحت” من قبل السلطات.

يشير هذا الهيكل إلى نظام يتم فيه تحديد أهلية مشروع البحث والتطوير أو الابتكار إلى حد كبير مسبقًا من قبل هيئة حكومية، مثل وكالة النهوض بالصناعة والابتكار (APII)، في وقت التصريح الأولي به. وتعمل المطالبة الضريبية اللاحقة على تأكيد أن الشركة قد أوفت بشروط تلك الخطة المعتمدة مسبقًا. وهذا يمثل ابتعادًا حاسمًا عن النموذج السنغافوري، حيث تكون المطالبة نفسها هي الفرصة الرئيسية لدافع الضرائب لإثبات الطبيعة التقنية والتجريبية لعمله للسلطة الضريبية.

جدول 3: قائمة مراجعة التوثيق لمطالبات البحث والتطوير والابتكار (تونس)

فئة الوثيقة الوثائق والمعلومات المطلوبة مرتبطة بالقانون والإدارة
الإدارية والقانونية تصريح استثماري يُقدم إلى السلطات المختصة عند بدء المشروع.
شهادة البدء الفعلي للنشاط وثيقة رسمية تشهد ببدء المشروع.
النظام الأساسي وشهادة الامتثال إثبات الوضع القانوني للشركة وامتثالها لصناديق الضمان الاجتماعي.
المالية والمحاسبية قائمة مفصلة بالمصاريف والمبالغ مطلوبة كمرفق بالإقرار الضريبي السنوي.
سجلات الحسابات يجب الاحتفاظ بها وفقًا للنظام المحاسبي التونسي.
سجلات الرواتب والفواتير لإثبات وربط المصاريف بأنشطة البحث والتطوير أو الابتكار.
توثيق المشروع إشارات القرارات الممنوحة وثائق من السلطات تمنح الحق في ميزة ضريبية محددة.
الاتفاقيات الموقعة مع المؤسسات العامة إلزامية للخصم المعزز بنسبة 150% للبحث والتطوير.

غياب الفقه القضائي للبحث والتطوير ودور التوجيه الإداري

يتسم النظام القانوني التونسي للمسائل الضريبية بغياب ملحوظ للأحكام القضائية الضريبية المتاحة للجمهور والتي تتعلق تحديدًا بمطالبات البحث والتطوير والابتكار. وهذا يتناقض بشكل عميق مع ولايات قضائية أخرى، حيث يوفر الفقه القضائي للمكلفين بالضريبة فهمًا واضحًا للتفسيرات القانونية والمعايير الإثباتية.

في هذه البيئة، يقع تفسير وتطبيق القانون بشكل كبير على الهيئات الإدارية، وفي مقدمتها وزارة المالية ومديرياتها المختلفة، بما في ذلك الإدارة العامة للضرائب. في غياب السوابق القضائية، تصبح التوجيهات والقرارات الإدارية هي القانون الفعلي.

وهذا يضع مستوى كبيرًا من السلطة التقديرية في أيدي الإدارة الضريبية. يؤكد تقرير للبنك الدولي حول البيئة التنظيمية في تونس هذه النقطة، مشيرًا إلى أن إطار الاستثمار والحوافز “يشوبه التعقيد الإجرائي والافتقار إلى اليقين بشأن كيفية تطبيق سياسة الحوافز”. وهذا يشير إلى أن نجاح الشركة في المطالبة بحافز قد يعتمد بشكل أقل على الجدارة التقنية البحتة لبحثها وتطويرها وأكثر على قدرتها على التنقل في البيروقراطية، وتأمين القرارات الإدارية المواتية، والحفاظ على علاقة بناءة مع السلطات الضريبية. يُعد هذا الغموض والسلطة التقديرية الإدارية عامل خطر رئيسي للمستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.

دراسة حالة: مؤسسة تونسية افتراضية

لتوضيح التطبيق العملي لهذه المبادئ، لننظر في حالة شركة برمجيات تونسية افتراضية، “حلول تونس التقنية”. هدف الشركة هو تطوير خوارزمية جديدة لتوقع حركة المرور تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتطبيقات المدن الذكية.

المرحلة الأولى: التصريح الاستثماري

تتمثل الخطوة الأولى لـ “حلول تونس التقنية” في تقديم تصريح استثماري عبر الإنترنت إلى وكالة النهوض بالصناعة والابتكار (APII). يحدد هذا التصريح الرسمي غرض المشروع، وتوافقه مع الأولويات الاقتصادية الوطنية (مثل تطوير التكنولوجيا وخلق فرص العمل)، والتكلفة التقديرية للاستثمار. هذه الخطوة حاسمة، لأنها الأساس الإداري لجميع المطالبات المستقبلية.

المرحلة الثانية: مشروع البحث والتطوير

تشرع الشركة في تطوير الخوارزمية. لتعظيم مزاياها الضريبية، لدى الشركة خياران رئيسيان:

  • **السيناريو أ (التعاون العام):** تدخل “حلول تونس التقنية” في اتفاقية موقعة مع جامعة تونس للتطوير المشترك لخوارزمية الذكاء الاصطناعي. تمول الشركة 90% من تكاليف المشروع، وتوفر الجامعة الـ 10% المتبقية والخبرة التقنية. من خلال استيفاء هذا الشرط، تصبح مصاريف الشركة مؤهلة للخصم المعزز بنسبة 150%، وتخضع للحد الأقصى السنوي البالغ 200,000 دينار تونسي، والذي قد يكون أعلى إذا كان المشروع يتوافق مع أهداف الاقتصاد الأخضر.
  • **السيناريو ب (الابتكار الداخلي الخاص):** تقرر الشركة تطوير الخوارزمية بالكامل داخليًا دون شريك عام. في هذه الحالة، لا يمكن للمشروع التأهل للخصم بنسبة 150%. بدلاً من ذلك، يكون مؤهلاً فقط للخصم الإضافي بنسبة 50% لـ “مصاريف الابتكار” على النحو المحدد في قانون المالية لعام 2023.

المرحلة الثالثة: المطالبة

عند تقديم إقرارها الضريبي السنوي، يجب على “حلول تونس التقنية” دعم مطالبتها ليس بالتقارير الفنية أو دفاتر الملاحظات المخبرية، ولكن بالوثائق الإدارية الرسمية. سيتضمن التقديم التصريح الاستثماري الأصلي، وشهادة البدء الفعلي للنشاط من السلطة المختصة، وقائمة مفصلة بجميع مصاريف الابتكار المتكبدة. يجب أن تشير المطالبة أيضًا إلى القرارات الرسمية الممنوحة للشركة التي تسمح لها بالاستفادة من الحوافز الضريبية.

تُظهر دراسة الحالة هذه أن النجاح في نظام الضرائب على البحث والتطوير في تونس يعتمد على عملية موافقة مسبقة، وبالنسبة للحوافز الأكثر سخاءً، تعاون إلزامي مع الهيئات العامة. يختلف هذا النهج بشكل كبير عن نظام مثل نظام سنغافورة، حيث يمكن للشركة إجراء البحث والتطوير بشكل مستقل ثم بناء قضية شاملة ومركزة تقنيًا لمطالبتها في وقت التقديم.

الخلاصة

تُعد حوافز الضرائب على البحث والتطوير والابتكار في تونس حجر الزاوية في استراتيجيتها الوطنية لتعزيز النمو الاقتصادي، ولكنها تعمل ضمن إطار يختلف اختلافًا جوهريًا عن نظام مثل نظام سنغافورة. بينما يتسم النظام السنغافوري بالوصفية العالية، والمحدد تقنيًا، ويتطلب توثيقًا صارمًا ومعاصرًا للعملية التجريبية، فإن النظام التونسي هو نهج أوسع وموجه إداريًا ومدمج ضمن سياسة الاستثمار العامة.

بالنسبة للشركات، هذا التمييز له أهمية قصوى. لا تتعلق المطالبة الناجحة في تونس ببساطة بإثبات عملية علمية منهجية، بل تتعلق بتوجيه عملية إدارية منظمة، ومعقدة في بعض الأحيان. يزيد غياب السوابق القضائية العامة من دور السلطة التقديرية الإدارية، مما يجعل الموافقات الرسمية والفهم الواضح للمتطلبات الإجرائية أكثر أهمية من ملف فني شامل.

بناءً على هذا التحليل، فإن التوصيات التالية حاسمة لأي شركة تسعى إلى تعظيم مزايا البحث والتطوير والابتكار في تونس:

  • **إعطاء الأولوية للامتثال الإداري قبل المطالبة:** الخطوة الأولى والأكثر أهمية ليست توثيق المخاطر التقنية، بل تقديم تصريح استثماري رسمي وتأمين جميع الشهادات الرسمية اللازمة. تُعد هذه الخطوات الإجرائية أساس المطالبة القابلة للدفاع.
  • **تبني التعاون بين القطاعين العام والخاص:** للحصول على أكبر ميزة ضريبية—الخصم بنسبة 150%—فإن الشراكة الرسمية مع مؤسسة بحثية عامة تونسية ليست اختيارية؛ إنها شرط إلزامي. يجب على الشركات البحث استراتيجيًا عن هذه التعاونات للحصول على الحوافز الأكثر سخاءً.
  • **توقع التدقيق الإداري:** نظرًا لندرة السوابق القضائية، تعتمد نتيجة المراجعة الضريبية بشكل كبير على تفسير الهيئة الإدارية. يجب على الشركات الاستعداد لعملية مراجعة أكثر تقديرية والتأكد من أن جميع الوثائق ليست دقيقة ماليًا فحسب، بل تتوافق أيضًا مع السرد والأهداف المقدمة في تصريحها الاستثماري الأولي.

في الجوهر، المطالبة الناجحة للبحث والتطوير في سنغافورة هي سرد فني موثق جيدًا، بينما المطالبة الناجحة للبحث والتطوير في تونس هي عملية إدارية وسياسية مُدارة بشكل جيد، مدعومة بتوافق واضح مع أهداف التنمية الوطنية.